صدر عن مركز إكيك للأبحاث والدراسات مؤلف جماعي موسوم بـ «التربية الوالدية في الأسرة المعاصرة: رؤى متقاطعة»، من تنسيق كل من د. رشيد بوعبيد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل، ود. حسن علاوي، رئيس مركز إكيك للأبحاث والدراسات، بمشاركة ثلة من الباحثين المتخصصين في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا.
ويأتي هذا المؤلف في سياق يتسم بتحولات عميقة ومتسارعة تعرفها الأسرة المعاصرة، سواء على مستوى بنيتها ووظائفها، أو على مستوى أنماط العلاقات داخلها، وأدوار الوالدين في عملية التنشئة والتربية. فلم تعد التربية الوالدية ممارسة تلقائية تستند حصراً إلى الموروث الثقافي والخبرة الأسرية، بل أصبحت موضوعاً تتقاطع فيه أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية وتربوية، وتفرضه التحولات التي يعرفها المجتمع، وما أفرزته من تحديات جديدة أمام الأسرة والآباء والأمهات.
ومن هذا المنطلق، يسعى المؤلف إلى مقاربة التربية الوالدية باعتبارها مجالاً متعدد الأبعاد والرؤى، حيث تتكامل المقاربات النفسية والسوسيولوجية والأنتروبولوجية لفهم مختلف مظاهر الممارسة الوالدية، وما يرتبط بها من تمثلات وقيم وأساليب للتعامل مع الأبناء. ويتيح هذا التنوع التخصصي تجاوز المقاربة الأحادية للموضوع، والانتقال إلى قراءة أكثر تركيباً تأخذ بعين الاعتبار تفاعل الفرد والأسرة والمجتمع والثقافة والمؤسسات.
وتكمن أهمية الكتاب أيضاً في كونه لا يتعامل مع التربية الوالدية باعتبارها شأناً أسرياً خاصاً فحسب، وإنما ينظر إليها باعتبارها قضية مجتمعية تتقاطع فيها مسؤوليات الأسرة مع أدوار المدرسة والمؤسسات الاجتماعية والتربوية والثقافية ومختلف الفاعلين المعنيين بالطفولة والأسرة. ومن ثم، فإن تطوير الممارسات الوالدية لا يرتبط فقط بتغيير سلوك الآباء والأمهات، وإنما يقتضي كذلك توفير بيئة مؤسساتية ومجتمعية داعمة للأسرة، قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها أدوارها ووظائفها.
كما يكتسي المؤلف أهمية خاصة بالنظر إلى محاولته فتح نقاش علمي حول عدد من القضايا المرتبطة بالعلاقة بين الوالدين والأبناء، وبأساليب التنشئة، وبالتحولات التي طرأت على السلطة الوالدية، وبأشكال التواصل داخل الأسرة، فضلاً عن التحديات التي تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المتسارعة. وهي قضايا تجعل من التربية الوالدية مجالاً خصباً للبحث العلمي، بالنظر إلى أثرها المباشر في بناء شخصية الطفل وتشكيل قدراته الاجتماعية والنفسية والقيمية.
ولا تقتصر القيمة العلمية للمؤلف على تشخيص التحولات والإشكالات المرتبطة بالتربية الوالدية، بل تمتد إلى توفير أرضية نظرية وتحليلية يمكن أن يستفيد منها الباحثون والمهتمون بقضايا الأسرة والتنشئة الاجتماعية، سواء في إنجاز أبحاث ودراسات جديدة، أو في تطوير النقاش العلمي حول التحولات التي تعرفها الأسرة المعاصرة.
وفي المقابل، يمكن أن تشكل الرؤى والمقاربات التي يقدمها الكتاب سنداً للفاعلين المؤسساتيين والممارسين في مجالات التربية والأسرة والطفولة، من خلال مساعدتهم على فهم أعمق للواقع الأسري وللحاجات الجديدة التي تفرضها التحولات المجتمعية. ومن شأن ذلك أن يساهم في تطوير تدخلات أكثر ملاءمة وواقعية، تراعي خصوصية الأسرة وتنوع أوضاعها، وتنتقل من التدخلات القائمة على الوصفات الجاهزة إلى مقاربات تستند إلى المعرفة العلمية وفهم السياقات الاجتماعية والثقافية.
وبذلك، يمثل موضوع «التربية الوالدية في الأسرة المعاصرة: رؤى متقاطعة» إضافة نوعية إلى الأدبيات المهتمة بالتربية الوالدية وقضايا الأسرة، ليس فقط من خلال تعدد التخصصات والمقاربات التي يضمها، وإنما أيضاً من خلال سعيه إلى بناء جسور بين البحث العلمي والممارسة المؤسساتية والمجتمعية. كما يشكل مساهمة في إغناء النقاش حول مستقبل الأسرة وأدوارها التربوية، ويفتح آفاقاً جديدة للتفكير في السبل الكفيلة بتعزيز ممارسات والدية أكثر وعياً وفاعلية، بما يستجيب للتحولات التي تعرفها الأسرة والمجتمع معاً.
ومن هذه الزاوية، لا يقدم المؤلف إجابات نهائية حول قضايا التربية الوالدية بقدر ما يفتح فضاءً للتفكير والنقاش، ويقترح رؤى متقاطعة تسمح بإعادة طرح الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين الأسرة والتربية والمجتمع، وحول الكيفية التي يمكن من خلالها مواكبة الأسرة في أداء أدوارها التربوية في ظل واقع اجتماعي متغير ومتعدد التحديات.


